عبد الوهاب الشعراني
111
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
[ الحث على التصدق ولو بالشيء اليسير : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نتصدق بما وجدنا ولا نستقل من الصدقة شيئا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة من : « أنّ الحقّ تعالى يقبلها بيمينه فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوّه أو فصيله » . ولما سيأتي من الأحاديث ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس ، فيستحيون أن يتصدقوا بمثل تمرة أو لقمة أو زبيبة وهو حياء طبيعي لا شرعي ، وليس اللوم إلا على من يمنع الصدقة بالكثير بخلا ، وأما من يخرج ما وجد بعد جوع وقلة فهو مأجور وربما يسبق الدرهم منه ألف درهم من غيره كما يأتي وقال تعالى : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [ الطلاق : 7 ] . فانظر يا أخي إلى ما وسع اللّه تعالى به على عباده حيث لم يأمرهم بالصدقة تكليفا مع حاجتهم إليها بل نهاهم عن ذلك ، لأن كل من تصدق بما فوق طاقته فمن لازمه أن نفسه تتبع ذلك ثم يندم على إعطائه ، وفي الحديث : « نحن معاشر الأنبياء برآء من التّكلف » فافهم . وقد تصدقت عائشة رضي اللّه عنها مرة بحبة عنب فكأنّ السائل استقلها ، فقالت ما لك لا تفقه ، كم في هذه من مثقال ذرة ؟ وفي القرآن : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وروى أبو داود وابن خزيمة في « صحيحه » والحاكم ، وقال صحيح على شرط مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل أي الصدقة أفضل ؟ قال : « جهد المقلّ وابدأ بمن تعول » . وروى النسائي وابن خزيمة وابن حبان في « صحيحه » : واللفظ للحاكم وقال صحيح على شرط مسلم مرفوعا : « سبق درهم مائة ألف درهم ؟ فقال رجل كيف ذلك يا رسول اللّه ؟ قال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدّق بها ، ورجل ليس له إلّا درهمان فأخذ واحدا فتصدّق به » . وقوله : « من عرضه » أي من جانبه . وروى الترمذي وابن خزيمة عن أم بجيد أنها قالت : يا رسول اللّه إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد شيئا أعطيه ، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن لم تجدي إلّا ظلفا مجرّدا فادفعيه إليه » . وروى ابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « تعبّد عابد من بني إسرائيل فعبد اللّه تعالى في صومعته ستّين عاما فأمطرت الأرض واخضرّت فأشرف الرّاهب من صومعته فقال : لو نزلت فذكرت اللّه ؛ فازددت خيرا ، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان ، فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلّمها وتكلّمه حتى غشيها ثمّ أغمي عليه فنزل الغدير يستحمّ فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرّغيفين ثمّ مات فوزنت عبادة ستّين سنة مع حسناته بتلك الزّنية